فخر الدين الرازي
280
المطالب العالية من العلم الإلهي
الثاني : إن الاستعاذة باللّه ، إنما تعقل ، لو لم يكن اللّه هو الفاعل للأمور التي منها يستعاذ . أما إذا كان الفاعل لها هو اللّه تعالى ، امتنع أن يستعاذ به تعالى من تلك الأفعال . لأنه يصير كأنه استعاذ باللّه ، من اللّه ، في الفعل الذي فعله اللّه تعالى . الثالث : إن إقدام العبد على الاستعاذة من المعاصي ، يدل على أن العبد غير راضي بها . ولو كانت المعاصي مخلوقة للّه تعالى ، لزم أن لا يكون العبد راضيا بقضاء اللّه . وذلك كفر . الرابع : إن الاستعاذة باللّه من الشيطان ، إنما تعقل لو كانت الوسوسة فعلا للشيطان . أما إذا كانت فعلا للّه تعالى ، ولم يكن للشيطان فيها « 1 » أثر . فكيف يعقل أن يستعاذ من شر الشيطان ؟ الخامس : إن لفظ « الشيطان » مشتق . إما من شطن ، وهو البعد . أو من شاط ، وهو الاحتراق . وعلى التقديرين فهو اسم دم . والذم إنما يحسن في حق القادر على الفعل . فإذا كان الشيطان لا قدرة له على الفعل لم يحسن ذمه . السادس : إن « الرجيم » معناه المرجوم . وهو إشارة إلى كونه معذبا . وذلك إنما يحسن في [ حق « 2 » ] القادر على الفعل . لا في حق العاجز عنه . فثبت بما ذكرنا : أن قوله « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » : يبطل القول بالجبر . ولا يقال : إنا لا نقول بالجبر ، بل نقول : العبد مكتسب . لأنا نقول : هذا ليس بشيء . فإن العبد إما أن يمكنه تحصيل شيء وتكوينه ، أو لا يمكنه ذلك . فإن أمكنه فهو مذهبنا . وإن كان لا يمكنه فقد توجهت السؤالات المذكورة . وليس بين النفي والإثبات واسطة . فثبت : أن إلغاء لفظ الكسب في الشيء : محض التزوير . قال أهل السنة والجماعة : إن كانت الوجوه التي استنبطوها من قولنا :
--> ( 1 ) فيه ( م ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) .